الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
237
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وجاء بمعنى " الوحي " أيضا . بعض المفسرين يرى أن الفرق بين " الإلهام " و " الوحي " ، هو إن الفرد الملهم لا يدري من أين أتى بالشئ الذي ألهم به ، وفي حالة الوحي يعلم بالمصدر وبطريقة وصول الشئ إليه . " الفجور " من مادة " فجر " وتعني - كما ذكرنا سابقا - الشق الواسع وسمي بياض الصبح بالفجر لأنه يشق ستار الظلام . ولما كانت الذنوب تهتك ستار الدين فإنها سميت بالفجور . المقصود بالفجور في الآية طبعا الأسباب والعوامل والطرق المؤدية إلى الذنوب . و " التقوى " من الوقاية وهي الحفظ ، وتعني أن يصون الإنسان نفسه من القبائح والآثام والسيئات والذنوب . ويلزم التأكيد أن الآية الكريمة : فألهمها فجورها وتقواها لا تعني أن الله سبحانه قد أودع عوامل الفجور والتقوى في نفس الإنسان ، كما تصور بعضهم ، واستنتج من ذلك دلالة الآية الكريمة على وجود التضاد في المحتوى الداخلي للإنسان ! بل تعني أن الله تعالى علم الإنسان هاتين الحقيقتين وألهمه إياهما ، وبين له طريق السلامة وطريق الشر ، ومثل هذا المفهوم ورد في الآية ( 10 ) من سورة البلد : وهديناه النجدين . بعبارة أخرى ، إن الله سبحانه قد منح الإنسان قدرة التشخيص والعقل ، والضمير اليقظ بحيث يستطيع أن يميز بين " الفجور " و " التقوى " عن طريق العقل والفطرة ، لذلك ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية تشير في الحقيقة إلى مسألة " الحسن والقبح العقليين " وقدرة الإنسان على إدراكهما . ومن بين النعم الطائلة التي أسبغها الله على الإنسان تركز هذه الآية على نعمة الهام الفجور والتقوى ، وإدراك الحسن والقبح ، لأنها من أهم المسائل المصيرية التي تواجه حياة الإنسان .